|
|
||||
هيئة إدارة تحرير مجلة عاشقة الصحراء التي تعنى بقضايا المرأة العربية والأدب والفن | ||||
«ملمس الضوء»… رواية أهدت للأعمى عينين!
تدفع التقاطعات الكثيرة بين الروائية حنين الصايغ وشخصية أمل بو نمر بطلة روايتها «ميثاق النساء»، القارئ الفضولي إلى التفتيش عن أدلة تثبت أنهما شخص واحد وأن هذه الرواية ليست سوى سيرة ذاتية لصاحبتها، بل إن الروائية نفسها تضع طُعما لهذا القارئ «الحشري» من خلال نثر قمح الشكوك في طريقه، فالروائية وشخصيتها الرئيسية درزيتان درستا تخصص اللغة الإنكليزية في الجامعة الأمريكية في بيروت، وسافرتا إلى ألمانيا، وحتى ديوان بطلة الرواية عنوانه «فليكن» وهو عنوان المجموعة الشعرية التي نشرتها حنين الصايغ. ولكن بعيدا عن هذه الشهوة الخفية للتفتيش عن أسرار الكاتب، من خلال عمله، تبقى قيمة النص الفنية هي المقياس، بغض النظر عن جنسها الأدبي، سواء أكانت رواية أو سيرة ذاتية، وقد توقعت حنين الصايغ ما يثيره هذا التطابق، فصرّحت في إحدى مقابلاتها قائلة: «فضاء الرواية يسمح للقارئ برؤية نفسه، والتفاوض معها أثناء القراءة، بدلا من التلصص على حياة الكاتب واستخدام النص كوثيقة لاستخراج معلومات عنه، أقدِّم العمل كسيرة ذاتية، ولكن كرواية». ويضاعف هذا الفضول أن حنين الصايغ في روايتها الأولى – وهي القادمة إلى الكتابة الروائية من الشعر- تحكي عن طائفة محاطة بالأسرار سكنت الجبال محافظة على عزلتها ألف سنة، فالدعوة إلى تعاليم دينها أُغلقت منذ ذلك التاريخ، بحيث يرفض الدروز، الراغبَ في الدخول اليهم، كما ينبذون الخارج منهم. كما أنها تروي حكايات نساء الدروز اللواتي بقين إلى ما قبل رواية «ميثاق النساء» البعيدُ لا يعرف عنهن شيئا والقريبُ لا يستطيع أن يقول عنهن شيئا. لم يكن مفاجئا في نظري أن تنافس هذه الرواية الصادرة عن دار الآداب البيروتية، لأجل الفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية، وقد دخلت قبل أيام قائمتها القصيرة. فعلى امتداد حوالي 400 صفحة تمسك حنين الصايغ بخيوط سردها باحترافية، محافظة على لعبة تشويق القارئ ودفعه لطرح الأسئلة ابتداء من العتبة النصية الأولى، عنوان الرواية «ميثاق النساء»، الذي نعرف من خارج النص أنه عنوان إحدى رسائل «كتاب الحكمة» وهي تعاليم الحكماء الدروز الأوائل لتابعيهم، لكن الروائية تعطيه بعدا آخر تكشفه لنا صراحة بعد أن نقرأ ثلاثة أرباع الرواية فتكتب: «هو ميثاق النساء الحقيقي. ميثاقٌ من التضامن والفهم والوجع لم يخطه أحدٌ في كتاب، ولم يفرضه أحدٌ على النساء. ميثاق يجعلنا نتواصل ونترابط على بُعدٍ آخر. بُعدٍ لا علاقة له بالدين والثقافة والجغرافيا. نحن متّصلات، شيءٌ ما يتحرَّك في المرأة حين ترى امرأةً أخرى تعاني»، في رغبة من الروائية أن تُعامل النساء جميع النساء بالقدسية نفسها، التي ينظر بها الدروز ونساؤهن خصوصا إلى نصهم المقدس. وبعد عتبتَيْ النص والإهداء، تأخذنا أمل بو نمر بطلة الرواية في رحلة طويلة معها ترويها بصيغة المتكلم، تبدأها بلحظة مفصلية في حياتها، حين نزلت خلسة من قريتها لتسجل للدراسة في الجامعة الأمريكية في بيروت، وهي اللحظة الفارقة التي غيرت حياتها. ومنها تأخذ بيدنا كدليل سياحي، لا يرينا الأماكن والمعالم السياحية، بل خبايا التفكير لمجتمع منغلق على نفسه، حتى أن جيرانه اللبنانيين من طوائف أخرى يجهلون عنه الكثير. ولا تسير بنا حنين الصايغ على لسان راويتها المتكلمة في خط سير كرونولوجي، بل تنتقل زمنيا وحتى مكانيا مستعملة أحيانا طريقة الفلاش باك متوسّلةً عناوين فصول كثّفت فيها أحداث روايتها، فالفصل الأول «الجدار» الذي كان يصلح أن يكون عنوانا ثانيا للرواية، يعطينا مفتاحا بالغ الأهمية للولوج إلى هذا العالم المحفوف بالأسرار، يحكي حادثة تصلح نموذجا دالا على تعقيدات المجتمع الدرزي، فكان لحادثة طلاق مثلا أن تمر عادية تحدث في كل زمان ومكان، ولكن لأن جد بطلة الرواية شيخ درزي، فالطلاق يصبح مشكلة كبيرة «لو طلقتَها لن تستطيع أن تردها مرة أخرى، وسيصبح عليك محرّما أن ترى وجهها، أو حتى طرف منديلها، وسيكون عليك محرّما أن ترى حذاءها مخلوعا أمام بابها، أو أن تسمع صوتها» كما تنص عليه التعاليم، وما ضاعف المأساة أنّ الشيخ فَصَل نفسه عن طليقته ببناء جدار في غرفتهما حال دون أن يريا بعضهما ثلاثين سنة كاملة، إلى أن توفي الشيخ ولم تحضر طليقته مأتمه اتباعا للأصول. وترسم الرواية مشهدا تراجيديّا لهذا الشيخ، الذي كان يطرق على الحائط في الليل يناجي زوجته: «سامحيني يا أمّ علي يلعن الشيطان تسرّعت» فكانت تصمت لأنَّه ممنوع عليه سماع صوتها وتكتفي بالطرق على الحائط ثلاث مرّاتٍ كي يعرف أنَّها تسمعه. هذا الحب الذي كتبت عنه حنين الصايغ أو أمل بو نمر لا فرق بفلسفة ترتقي إلى مقامات العشق الصوفي حين تقول مثلا «من الصعب أن نسأل العاشق عمَّا يحبّ في معشوقه. وإن أجاب هذا العاشق بصفةٍ أو ميزةٍ في حبيبه فلا يكون يحبّ هذا الحبيب، بل فقط يحبّ تلك الميزة فيه»، وهذه اللغة الشاعرية في الحديث عن الحب نجد لها مثيلات في الرواية، فقد تسربت مقاطع كثيرة هي أقرب إلى الشعر لم تستطع حنين الصايغ، أو لم تُرِدْ منعها من التجلي على صفحات روايتها كحديثها عن السفر «المطارات لا تعبأ بدموع المودعين ولا بزهور المستقبلين. كان السفر بالنسبة إليّ موتاً صغيرا أو نفقا بين قبرين كان الطيران مجرَّد هدنةٍ قصيرةٍ مع هذه الأرض، التي تتكئ على وجودي بكل ما أوتيت من قسوة.. قبلك كانت كلّ الغايات متاهاتٍ أختبئ فيها من اللاغاية». يبقى أمران يجدر ذكرهما أولهما: أن الرواية ليست إدانة للمجتمع الدرزي، بقدر ما هي إعادة رسم صورة واقعية له تبعده عن الأسطرة، وتخرجه من دائرة التكهنات، فتعرض مشاكله، التي نجد مثيلا لها في كل مجتمع منغلق على نفسه للحفاظ على خصوصيته، وقبل ذلك للحفاظ على وجوده. وثانيهما أن الرواية أبعد ما تكون عن النسوية ببعدها الأيديولوجي، فليس فيها محاكمة للرجال وإدانة للبطركية والسلطة الذكورية، فالرجال والنساء على السواء ضحية تشدّد فرضته ظروف تاريخية، بل نجد في الرواية نماذج ذكورية جيدة مثل الأستاذ خلدون قتيل الحب، الذي يدعم تلميذته، أو «جاد» صهر أمل الذي أحب زوجته إلى درجة موافقته على إجهاضها وطلبها الطلاق، أو حامد الكاتب الذي كان طوق نجاة لأمل عوّضها عن حياة القهر. المصدر : القدس العربي
الكاتب:
سكرتيرة التحرير مريم حمدان بتاريخ: الجمعة 04-04-2025 09:36 مساء الزوار: 37
التعليقات: 0
|
العناوين المشابهة |
الموضوع | القسم | الكاتب | الردود | اخر مشاركة |
«ملمس الضوء»… رواية أهدت للأعمى عينين! | القصة والرواية | سكرتيرة التحرير مريم حمدان | 0 | الجمعة 04-04-2025 |
مارغو حداد: رواية عالم يتنفس الموت ليست ... | القصة والرواية | سكرتيرة التحرير مريم حمدان | 0 | الجمعة 21-02-2025 |
«سنبلة قمح في خيمة غجر» رواية جديدة ... | القصة والرواية | سكرتيرة التحرير مريم حمدان | 0 | الجمعة 07-02-2025 |
قراءة في رواية «أحلام مبعثرة بين عمان ... | القصة والرواية | سكرتيرة التحرير مريم حمدان | 0 | السبت 28-12-2024 |
حفل إشهار روايتي "عقرب النساء" ... | القصة والرواية | سكرتيرة التحرير مريم حمدان | 0 | الإثنين 09-12-2024 |
«12:21» رواية للأردنية رؤى أبوالسعود.. ... | القصة والرواية | سكرتيرة التحرير مريم حمدان | 0 | الأربعاء 27-11-2024 |
رواية فراري.. مصائر متقاطعة والمرأة في ... | القصة والرواية | سكرتيرة التحرير مريم حمدان | 0 | الخميس 21-11-2024 |
تجليات الجزيرة في رواية المنسيون بين ... | القصة والرواية | سكرتيرة التحرير مريم حمدان | 0 | السبت 09-11-2024 |
رواية مريم... ذاكرة وطن وحكاية أمل | القصة والرواية | سكرتيرة التحرير مريم حمدان | 0 | الجمعة 27-09-2024 |
رواية جديدة للناشئة للأديبة الأردنية هيا ... | القصة والرواية | سكرتيرة التحرير مريم حمدان | 0 | الأحد 08-09-2024 |
ثورة الذات في رواية لعنة الصفر للكاتبة ... | القصة والرواية | سكرتيرة التحرير مريم حمدان | 0 | الجمعة 16-08-2024 |
«أبناء الأرجوان» رواية لديانا دودو تحمل ... | القصة والرواية | سكرتيرة التحرير مريم حمدان | 0 | الثلاثاء 04-06-2024 |
السيكولوجية والبوليفونية في رواية ... | القصة والرواية | سكرتيرة التحرير مريم حمدان | 0 | الأحد 02-06-2024 |
إشهار رواية "اعتراف" للروائية ... | القصة والرواية | سكرتيرة التحرير مريم حمدان | 0 | السبت 18-05-2024 |
حفل توقيع رواية "غيمة" للكاتبة ... | القصة والرواية | سكرتيرة التحرير مريم حمدان | 0 | الأحد 11-02-2024 |