«يوقظ الكاتب المجاز من نومه النظري. يغسل وجهه بإحساس من أيقظه. ثم يرتدي معطفه اللغوي، ويذهب باتجاه مغزاه، ماشياً على ساقين: البلاغة والمبالغة. بلاغةٌ تدفعه لتجاوز المعهود، ومبالغةٌ تمنعه من الإحجام عن اقتحام عوالم لغويةٍ جديدةٍ، غير معجمية، وما فوق اصطلاحية. وإذا ما دخلنا معاً إلى فضاءات المعمار اللغوي، فسنكتشف بأن المجاز هو المساحة الإضافية الملحقة بالمبنى الذي يسكنه المعنى. هناك، يلعب طفلٌ اسمه العقل، في كل يوم، منذ الصباح الباكر، وحتى المساء، حيث يمسي رجلاً عاقلاً وقابلاً للنوم على فراشٍ من ماء، وتحت غطاء الهواء. ماءٌ يأخذ شكل الإناء الذي يوضع فيه خارج اللغة، وهواءٌ يمكننا رؤية صورته عندما يرقص الشجر. ذلك الشجر الذي ينمو مثل اللغة وخارجها.. ويرقص داخلها مجازاً بامتياز. ترى ؛ لماذا يستعمل الشاعر اللفظ في غير محلّه؟ الجواب هو: لكي يلبي متطلب الانزياح الذي يعتري إحساسه بالأشياء. ولكن، لماذا يتحاشى علاقة المشابهة بين المعنى الأصيل والمعنى البديل؟ لأنه يبحث عن فضاءٍ أكثر اتساعاً للتعبير.. ولقد وجد ضالته في المجاز. أما عن تسميته بالمجاز المرسل ؛ فلأنه غير مقيّد بعلاقةٍ واحدة، كما هو الحال في الاستعارة المقيدة بعلاقة المشابهة فقط، ولأن علاقاته كثيرةٌ ومتنوعة. في الحديقة الخلفية للنص، ربما يزرع الكاتب، بعينٍ جريئةٍ، ويدٍ خبيرة، أزهاراً جديدةً، بألوانٍ غامضةٍ، وروائحَ مثيرة. وقد يصغي بقلبه إلى صمتٍ عميقٍ في الجوار لكنه يوقن، بأن رائحة الزهر، لا تحبسها الأسوار أما أنا، هنا، فأني أجلس وراء ما أقول قبل أن أصغي، إلى ما يطرق باب سمعي من قصصٍ، وحكاياتٍ، وأشعار.. باحثاً في مجازاتها الوفيرة مليّاً.. عن صوتٍ مائيٍّ، وصورةٍ من نار البعض من المفكرين والعلماء يرفضون المجاز لأنه مساوٍ عندهم للكذب. وهو يُعتبر في عرفهم مضللاً للمتلقين، لا سيما عامة الناس. ولكن، هل يمكن للغة أن تنمو وتتطور بمعزل عما يعتريها من انزياحات ؟ سواء الانزياحات الأفقية على مستوى الصرف، أو العامودية على مستوى النحو. أقول: في الشارع العام، تمر سيارةٌ مسرعةٌ، تقودها امرأةٌ على موعدٍ مع الحظ . هل سيبتسم الحظ لي أخيراً؟ تسأل نفسها.. فيضحك العقل في « رأسها « . الغريب، أن ضحكته ليست طفولية. عليه أن يتصور بأن للحظ فماً وشفتين، وإلا، كيف سيبتسم لتلك المرأة وهي تتجه إلى الشرق من قلبها الذي يخفق في صدرها، على إيقاعاتٍ من كسر التوقعات ؟! في ذلك الشرق، أملٌ يأخذ شكل رجل، ويلعب دوره حتى نهاية العرض. وفي حالةٍ شبه اضطرارية، تتجاوز المرأةُ المندفعة بقوة، عن أكثر من سيارةٍ، لكي تصل إلى المكان المقصود، في الموعد المحدد. ترى، هل هنالك حدودٌ لأي معنى ؟ أم أن من خصائص المعاني أن تتجاوز نفسها بحكم أنها غير مستقرّة تماماً في أذهان الناس؟؟ يغدو المجاز، بالغَ الكرم، وهو يغدق علينا كثيراً من الدلالات. لكنه كرمٌ محفوفٌ بمخاطر الـتأويل ..!! إياكم أن تقلّلوا يوماً من شأن التأويل، فلقد أسهم في مراحل معينة من الزمن، بتغيير مجرى التاريخ. وإلا، فربما لم نكن نحن هنا الآن. يقول اللفظ: أحياناً، يطلب الكاتب مني أن أجلس في غير مكاني اللغوي المعتاد، حتى أكتسب معنىً جديداً. وقد أتبادل مكاني مع لفظٍ آخر، حتى نستدرج معاً، صورةً من صور المجاز المركب، فتقترب من أطراف أصابع الكاتب التي ما إن تلامس الورق، حتى يشتعل بجذوة الحياة داخل الكلمات. إن الألفاظ هي الثياب الني ترتديها المعاني قبل أن تخرج إلى حيّز النور. لكن، انتظروا قليلاً .. فتلك الثياب ليست من «ماركات» عالمية، بل إنها محاكةٌ من قماشةٍ ذاتية، أو اجتماعية. من الصعب أن تخرج المعاني من غرفة الذهن وهي عاريةً. ذلك أن المعاني كالألوان، لا تُرى إلا بالأشياء التي تظهر بها. والألفاظ هي تلك الأشياء. في هذا العالم المجنون، قد تتحول الحرب إلى صورةٍ غير شمسيةٍ للحب!! أما في الحرب السورية القريبة، التي تنشب في بلد الجيران، فيخيّم على لغة الشعراء هناك، ليلٌ ضد الرصاص. كيف لا يلجأ الشاعر إلى المجازات، هرباً من قصف الطائرات؟! وكيف لا يلوذ بالاستعارة، حين يطرده الساسة من الجنة؟! ومع ذلك، فإن كل ما يحدث، وفي أي وقتٍ كان، عادةً ما يجد له متسعاً في اللغة. غير أن الصورة المعلقة على جدار البيت، ليست كالصورة المعلقة على جدار القلب. بالشعر، يمكن أن نجد بعض الحلول لبعض المشاكل، ولا سيما تلك المتصلة بشؤون الخيال. ليتنا نحظى بدائرةٍ رسميةٍ معنيةٍ بتلك الشؤون.. أو أكاديميةٍ متخصّصةٍ بتعليم «مادة التخيل». الأطفال يحبون الخيال. حتى حينما ينصطون إلى حكايات الجدات القادمات من الوراء البعيد، فهم سرعان ما يحملون ما فيها من صورٍ قديمةٍ، بالأبيض والاسود، ويحلّقون بها دون موانع، في فضاء مخيلاتهم الأكثر من واسع.. وفي طريق سفرهم الطويل إلى المستقبل.. أيها الشاعر،، ما زلنا بحاجةٍ إلى خدماتك الجليلة، لأننا لم نعد نحتمل قسوة هذا الواقع. فمن قلبك ينبع نهر المجاز، وفيه يصب، بعد دورةٍ طويلةٍ، بل مستحيلة!! قالت المرأة العاشقة للرجل الذي لم يأتِ في موعده: هل تتقن السباحة في نهر الحب ؟ قال: أجل، ولكن بشرط، أن يكون مالحاً جداً كالبحر الميت. رفعت عينيها إلى السماء وهي تلهج بما يشبه الدعاء: يا إلهي .. أما آن لي أن أكون كما أتمنى ؟! تساءل الرجل باستغراب: كيف تخاطبني هذه المرأة الجميلة وأنا لم أحضر حتى الآن ؟ ثم، هل يمكن أن يكون الجمال، هو الجواب الشافي عن مثل هذا السؤال ؟ ردّدت بدورها المقتبس، ذلك المقطع الصغير من الشعر الملتبس: حينما لا يأتي الحبيب في موعده تعود رائحة الزهرة التي لم يأت بها إلى بتلاتها وتقفل معاني الكلمات التي لم يقلها راجعةً إلى كلماتها وتموت الحبيبة غريبةً في ظلها - على سبيل المجاز - وعلى مبعدةٍ قريبةٍ من نهاية حياتها الحقيقة أن الذهاب إلى الأشياء حيثما تكون، يقلّل كثيراً من حاجتنا إلى المخيلة. تنام الدلالة باكراً في سرير اللفظ . الكاتب الذكي، يضع عند رأسها ساعة المنبه الشفاهية، بعد أن يضبطها على موعد ولادة اللحظة المشرقة للإبداع.. القاصة «إنعام القرشي « مثلاً، لديها حساسيةٌ أدبيةٌ تجاه هذا المفهوم «الغائم». وهذا – إلى حدٍ ما – مفهوم، ولكن، من وجهة نظر شاعرٍ مسالم. علينا أن ننتبه جيداً، فهنالك مجازٌ يُراد به حق، وهنالك مجازٌ يراد به باطل. فالمجاز لغوياً يعني التعدي. والتعدي فلسفياً، يفيد الظلم. هنا قد يتصل المغزى بالقيمة، وهنا أيضاً قد ينفصل عنها. بالنسبة للشاعر ؛ عالم بلا مجاز، هو عالم غير محتمل. لاحظوا معي كيف تطل علينا الاستحالة من جهتين متعاكستين في وقتٍ واحد. في الشعر فقط، يمكننا أن نتذوق طعم المستحيل. ربما يضطر القارىء أحياناً للاختباء وراء فهمه الأولي للنص الذي بين عينيه. ولكن ماكينة التشبيه، تظلّ تعمل بلا توقف لإنتاج المزيد من الصور الشعرية .. نحن، كلما قرأنا شاعرنا الكبير خالد فوزي عبده، وجدنا الاستعارة تشرق مثل شمسٍ صغيرةٍ من أفق إحساسه الرفيع، فتضيء نواحي قصائده وجنباتها، وتكشف بغموضها الفاتن عن مواطن الجمال في أبياتها. بالمناسبة ؛ نقول: (قرأنا شاعرنا)، بصيغةٍ مجازية. فالأصل أن نقول: قرأنا شعر شاعرنا. من وراء الأشياء، يأتي صوتٌ عميق: أنا اليقين .. تعالوا أيها القرّاء الأعزّاء، لكي نتقاسم معاً، غِلال الشك الذي تحصدونه من حقول الدلالات، بمناجلَ غير مرئية. لكني لن انتظر على عتبات أفهامكم إلى ما لا نهاية. تلك هي الحقيقة. ورغم ذلك، فإني أريد أن أعترف لكم، بأن المجاز الذي يمكن أن تنحاز له مشاعركم، ليس عدوي اللدود. أعرف كم أنتم بحاجةٍ إلى القفز عن الكثير من الحواجز النفسية والذهنية التي تمتد في دواخلكم. بيد أنكم حينما تصطدمون بي، فسوف تدفعون ثمن تلك المغامرة. مغامرة القلب، في الغوص إلى أعماق بحور عاطفية جديدة .. ومغامرة العقل، في اقتحام آفاقٍ معرفيةٍ بعيدة .. قد يسأل سائل: إذا كان الشعر هو ربيب العاطفة، فما علاقته إذن بالمعرفة ؟ بالطبع، لن تكون الإجابة هي: الجواب في قلب الشاعر. بل ستكون على هذا النحو: إن مظهر الشعر إزاحةٌ لغويةٌ آمنة .. أما جوهره، فهو معرفةٌ وجوديةٌ كامنة.. ويمكنني القول هنا: بأن أستاذنا الدكتور أحمد شركس، مهتم بشدة بالمعرفة المتعلقة بالحدس. والحدس والحلم توأمان.. أما المجاز، فهو حلمٌ أدبيٌّ شفاهيٌّ، لا يحتاج إلى نوم، بل إلى يقظة زائدة. هنالك تبرز الحاجة إلى ما يسمّى: فائض الوعي .. وحينما يفيض الوعي عن وعاء العقل، فإن المعنى يفيض تلقائياً عن وعاء اللفظ . وهكذا يعبّر المجاز عن نفسه بالمجاز . وعلى أي حال، فالصوفية هي إحدى منابع المجاز .. أما المعتزلة، فهم يجهدون في الدخول إلى عالمهم الزاخر، والخروج منه، من باب التأويل. وأما الأشاعرة، فهم لم يفعلوا ذلك، ولكنهم في المقابل لم يعارضوه. يتيح الصمت لنا أن نقول ما نشعر به دون كلمات. لكننا سرعان ما نشعر بالتوق الشديد، إلى مصادر أخرى للتعبير عما يعتمل في صدورنا. مرّة أخرى: لماذا نحن بحاجة إلى التجاوز في اللغة ؟ لأنه يسكّن آلام الصداع التي نشعر بها حينما نفكر بطريقةٍ غير معتادة. ذلك هو الوجع الذي يصيب الكاتب عندما يكسر النمط السائد في أيّ منحىً من مناحي الحياة. فيا له من وجعٍ جميل ...!! إن جماله يشبه جمال الحزن المتشح بالغموض. لقد عدنا طائعين إلى التخييل، فوجدناه يقف بانتظارنا وراء شجرة إحساسنا بالأشياء. الآن يعود كل شيء نفكر فيه إلى ما لم يكن عليه . من رحم العلاقة بين شيئين، يولد المجاز . وهو كالسمك، إذا خرج من بحر الشعر، يموت. أجل، يموت على الرمال. رمال الصور المسطحة على الشواطىء المستوية. ليس ببعيد عن كل ما قلناه، تطلّ « السببية « برأسها من بين السطور، ولسان حالها يقول: أنا علاقةٌ منطقيةٌ بين طرفين، وسأبقى دائماً تحت الطلب. أما وظيفتي، فهي تندرج تحت عنوانٍ عريض هو: ليس هنالك نتيجةٌ بلا سبب. في العادة، يأخذ الكاتب هذا الكلام على محمل الجد. وبذلك يمكنه أن ينتج المزيد من الكنايات، والاستعارات، والمجازات المرسلة.. وبه أيضاً، يقترب من نفسه أكثر. إنه يذهب مختاراً إلى حيث يلتقي بها هناك، داخل النص. بين الكثير من المجازات العقلية واللفظية. أي: بين الصور الذهنية، والصور الحسية. دعوني أقول لكم بصراحة، إن الشاعر غير الحقيقي، هو الذي تربطه مع الصورة الشعرية علاقة حب من طرفٍ واحد. واللغة في الأدب، ليست كاللغة في العلم؛ فقد تناقض نفسها بسبب خضوعها لسلطة المجاز. هكذا يعبر الشاعر من ضفة نهر الإحساس، إلى ضفته الأخرى، على جسر الكلام .. بعد أن تنشطر الصورة الشعرية في قلبه إلى نصفين، حتى يمر من بينهما إلى هناك بسلام.»
المصدر : جريدة الدستور
الكاتب:
مراقبة التحرير والنشر بتاريخ: الجمعة 15-09-2017 10:02 مساء
الزوار: 1337 التعليقات: 0